اسماعيل بن محمد القونوي

52

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وقت الصوم مستفاد من قوله إلى الليل « 1 » قولا بمفهوم الغاية هذا مذهب الشافعي وأما عندنا فهذا مستفاد منه بطريق إشارة النص فيحرم صوم الوصال على الأمة والصوم الوصال عدم الإفطار في جزء من الليل حتى يصبح صائما وهذا معنى ما قيل وهو أن يصوم يومين فأكثر من غير أن يفطر بالليل وأما الرسول عليه السّلام فقد يواصل فهو من خصائصه عليه الصلاة والسّلام فإنه نهى الأمة عنه وقال إنكم لستم بمثلي فإني أطعم وأشرب والظاهر أنه عليه السّلام عمل بالوحي الغير المتلو فالآية الكريمة إن قيل بعمومها إلى النبي عليه السّلام يكون من قبيل عام خص منه البعض وأما النسخ بالنسبة إليه عليه السّلام فبعيد وأنت خبير بأن الآية الكريمة سيقت لبيان آخر وقت وجوب الصوم فيفيد أن الليل ليس وقت وجوب الصوم ولا يلزم منه حرمة الصوم فيه فلم لا يجوز أن يكون الصوم فيه مستحبا فلا يحرم صوم الوصال بهذه الآية بل حرمته ثابتة بالأخبار الصحيحة وتلقي الأئمة بالقبول فح صوم الوصال حرام على الأمة ومن خصائصه عليه السّلام فيندفع الإشكال المذكور بأنه عليه السّلام يصوم بصوم الوصال مع أن ظاهر الآية متناولة له عليه السّلام ولا حاجة في التفصي عنه إلى التمحل المزبور ولا دلالة لقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] على جواز النية بالنهار كما تمسك أصحابنا لأن الإتمام جعل الشيء تاما ولا وجوب إمساك قبل الصبح فحقيقة الإتمام بأن يتحقق النية في الليل قبيل الصبح في النهاية وقوله عليه السّلام « إنما الأعمال بالنيات » يقتضي ذلك فاللازم اقتران النية بأول الصوم على ما يقتضيه باء المصاحبة لكن لعسرة محافظة أوله وهو أول طلوع الفجر جوزوا في الليل ولو قبيل الصبح تسهيلا للأمة ودفعا للعسرة فالآية يدل ظاهرها على اشتراط النية في الليل وما اختاره أصحابنا من تأخير النية إلى الضحوة الكبرى ثابت بدليل آخر بين في موضعه . قوله : ( معتكفون فيها والاعتكاف هو اللبس في المسجد بقصد القربة والمراد قوله : والمراد بالمباشرة الوطىء لما تقدم من قوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [ البقرة : 187 ] فإن المراد بالمباشرة هنا الجماع فكذلك ههنا لأن القرآن يفسر بعضه بعضا وعلى هذا عدم جواز الدواعي من القبلة واللمس كان بطريق الإلحاق لا بدلالة ويجوز أن يستفاد حرمة قربان الدواعي من قوله تعالى : بعده تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [ البقرة : 187 ] نهى عن أن يقرب الحد الحاجز عن ارتكاب الباطل فضلا عن أن يفعل باطلا ولما كان دواعي الجماع مقضية إلى الجماع غالبا كان النهي عنها داخلا في النهي بلا تقربوها وفي إلحاق دواعي الجماع بالجماع في الاعتكاف دون الصوم بحث مذكور في بعض شروح الهداية وقيل معناه لا تلامسوهن بشهوة فيكون المراد بالمباشرة الدواعي نهي عن الدواعي لإفضائها إلى الجماع المقصود الأصلي من النهي فإنه إذا أحرم الدواعي لإفضائها إليه حرم الجماع بالطريق الأولى .

--> ( 1 ) إذ الظاهر أن الليل غاية للوجوب لا الإتمام والصيام فإن الإيجاب والوجوب له امتداد فإن الشيء يجب إلى غاية ثم يرتفع الوجوب عند تلك الغاية والنسخ ناطق به وشاهد عليه فمن قال ولا يجوز جعله غاية للإيجاب لعدم امتداده فقد سهى سهوا بليغا .